اسماعيل بن محمد القونوي
218
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
والمراد باشتراء الضلالة ليس نفسها حتى يقال إنها حاصلة لهم قيل بل المراد الدوام « 1 » عليها بحيث لم يبق لهم استعداد قبول الحق قطعا مع زيادة عمههم المقرون في الطغيان وبقائهم خاسرين وعن درك الصواب آيسين والحصر المستفاد من تعريف المسند أي الموصول على المسند إليه ادعائي باعتبار كمالهم في ذلك الاشتراء لأن المنافقين موهوا الكفر وخلطوا به خداعا واستهزاء فهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلى اللّه تعالى فاشتراء هذه الضلالة ودوامها من خواص المنافقين فلا إشكال في الحصر أصلا وأما المجاهرون فاشتروا الكفر فقط بلا خداع ولا استهزاء ومن هذا التقرير ينكشف جواز كون الحصر حقيقيا وإن نوقش فيه فلا كلام في كونه ادعائيا كما مر على أن الظاهر أن تعريف الموصول للعهد فإن أولئك إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما ذكر من الأوصاف الشنيعة والذين خبره فالظاهر العهد فلا حصر ويؤيده قوله تعالى الآتي في هذه السورة الكريمة : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ [ البقرة : 175 ] الآية فإن أولئك هناك إشارة إلى المشترين بكتاب اللّه ثمنا قليلا وهم غير المنافقين والحصر هنا وإن حسن بما ذكرنا لكن عدم الحصر أظهر وأسلم من ارتكاب التكلف وبهذا البيان سقط اعتراض بعض المتأخرين على الشيخين . قوله : ( ترشيح للمجاز ) أصل الترشيح كما نقل عن الصحاح أن ترشح الأم ولدها قوله : ترشيح للمجاز الترشيح هو ذكر خاصة من خواص المستعار منه بعد تمام الاستعارة بقرينتها كما في قوله : لدي أسد شاكي الصلاح مقذف * له لبد أظفاره لم تقلم فإن لفظ أسد استعارة للرجل الشجاع بقرينة شاكي السلاح وقوله له لبد وقوله أظفاره لم تقلم ترشيح للاستعارة والترشيح من رشح الأم ولدها باللبن القليل تجعله في فيه شيئا بعد شيء إلى أن يقوى وفلان ترشح للوزارة أي ترني وباهل لها كذا وفي الصحاح وفي الأساس فلان ترشح للخلافة وأصله ترشيح الظبية ولدها تعوده المشيء فترشح وغزال راشح ورشح إذا مشى وترا ومعناه عند البلغاء أن يقرن بالمجاز صفة أو تفريع كلام يلائم المعنى الحقيقي وأكثر ما يكون في الاستعارة كقولك حاورت بحرا يتلاطم أمواجه وقد يكون في المجاز المرسل له اليد الطولى أي القدرة الكاملة وفي الكشاف هذا من الصفة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا وهو أن يساق كلمة مساق المجاز ثم يقفى بأشكال لها وأخوات إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن ديباجة وأكثر ماء ورونقا وهو المجاز المرشح وذلك نحن قول العرب في البليد كان أذني قلبه خطلا وإن جعلوه كالحمار ثم رشحوا ذلك روما لتحقيق البلادة فادعوا لقلبه أذنين وادعوا لهما الخطل ليمثلوا البلادة تمثيلا يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة ونحوه ولما رأيت النسر البيت قال الطيبي ظاهره يؤذن بأن المشبه هو الشخص وإنما المشبه قلبه في الحقيقة لكن في الحقيقة يعود المعنى إليه فلذلك قال جعلوه كالحمار وإنما ذكر القلب وأريد الشخص لأن القلب محل الفهم والذكاء قال الفاضل أكمل الدين فيه نظر لأن الايذان بذلك إنما يتحقق إن رجع الضمير إلى البليد وأما إذا رجع إلى الأقرب وهو القلب فلم يؤذن والاستعارة في الأذن تخييلية وفي القلب مكنى عنها شبه قلبه بالحمار في
--> ( 1 ) وأشار إليه المصنف في تفسير قوله تعالى : وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [ البقرة : 16 ] فلا إشكال أصلا .